مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )

22

حياة محمد ورسالته

وسمو الفكر اللذين لا يتيسّران إلا بفضل الثقافة . إن كل ما يستطيع ذلك الشعر أن يعتزّ به هو جمال اللغة . كانت ثمة ، من غير ريب ، بعض السّمات النبيلة في الخلق العربي . فقرى الضيف ، وحبّ الحرية ، والجراءة ، والرجولة ، والولاء القبليّ ، والكرم ، كانت بعض الصفات التي تفوّق بها العربيّ على اقرانه جميعا . ولكن هل تستطيع بضع فضائل ، في ذات نفسها ، وبخاصة حين ترجحها حالة من الامعان في البربرية والجلافة ، أن تعتبر قواما لحضارة ؟ فجنبا إلى جنب مع قرى الضيف وحسن وفادته كان من المألوف عند [ بعض الجاهلين ] ان يسلبوا عابري السبيل . وعاطفة الوطنية القبلية ، برغم أنها محمودة في ذاتها ، كانت قد شوّهت بالإفراط وإساءة التطبيق . فكانت المنازعات التافهة بين الافراد كثيرا ما تؤدي إلى إضرام نار الحرب الرهيبة وإلى تأريث الأحقاد والثارات الدامية المتوارثة من جيل إلى جيل . وقصارى القول ، فأن الأفق العالمي كله كان في تلك الفترة ملبّداً بأدكن غيوم الكفر والفسوق . كانت الفضائل الرفيعة مجهولة بالكلية . وليس من ريب في أن العرب أعلنوا ايمانهم بوحدانية اللّه ، ولكن ايمانهم ذاك كان ضحلا إلى أبعد الحدود . لقد كذّبت حياتهم العملية إقرارهم الشفهي غير النابع من القلب . كانوا نزّاعين إلى الوثنية ، متوهمين ان اللّه الكلّي القدرة قد عهد في أداء مختلف وظائف الكون إلى عدد من الآلهة ، والآلهات ، والأوثان . ومن هنا كانوا يتوجهون إلى هذه ملتمسين بركاتها كلما باشروا عملا أو فكروا بمشروع . وهكذا فأن ايمانهم بوحدانية اللّه كان عقيدة جوفاء ، لا يكاد يجد لنفسه مكانا في نظام حياتهم العملية . وإلى جانب الأوثان اعتبروا الهواء ، والسماء ، والقمر ، والنجوم مهيمنة على مصائرهم وأقدارهم ، وعبدوها بوصفها ذاك . بل لقد انحدروا إلى درك أسفل فعبدوا الحجارة ،